لمحة عن تاريخ الأردن

 

 الأردن بلد ضارب جذوره في التاريخ، مرت عليه مدنيات وحضارات وممالك وكيانات عدة ومختلفة و كانت ساحاته مسرحا للتفاعل الحضاري البشري الإيجابي المستمر بدءا من أقدم فجر التاريخ المكتوب وصولا إلى الدولة الحديثة التي تمثل نموذجا ورمزا للحضارة والحرية والاستقلال والإنسانية.

 لم يكن الأردن وليد صدفة أو حدث عابر ، ذلك لأنه كان ومنذ أقدم العصور مأهولا بالسكان بشكل متواصل. وتعاقبت عليه حضارات متعددة، وقد استقرت فيه الهجرات السامية التي أسست تجمعات حضارية مزدهرة في شماله وجنوبه وشرقه وغربه, ساعده على ذلك مناخه المتنوع وموقعه الذي يربط قارات العالم القديم فكان قناة للتجارة والمرور البشري بين شتى بقاع العالم.

 ونظرا لهذا التواصل الحضاري ، فقد شهد الأردن توطن حضارات وقيام ممالك كبرى صبغت بقوتها تاريخ تلك الحقب ، ومن أبرزها المملكة المؤابية في جنوب الأردن بقيادة الملك يوشع ، ومملكة الأنباط العربية التي بسطت حكما واسعا على المنطقة الممتدة من بصرى الشام إلى مدائن صالح ، وتشكيل شمال الأردن الركن الأساسي لتحالف المدن العشر اليونانية. وتظل المدن الأردنية بما تحمله من آثار ومواقع خير دليل على قدمها وضربها في أعماق التاريخ وأنها كانت موئلا لآباء البشرية .

 وبعد ذلك خضع الأردن للحكم الروماني الذي أغنى بحضارته المنطقة فكان الأردن جزءا لا يتجزأ من تلك الإمبراطورية القوية.

 وفي فترة انتشار الحكم الإسلامي كان للأردن أهمية خاصة فهو بوابة الفتح للشام. وقد شهدت أرضه معارك مؤتة واليرموك . وروى الشهداء المسلمون الأوائل بدمائهم أرضه ، ولعب دورا هاما وأدى مساهمة حضارية كبيرة إبان ذلك العهد . وقد شهدت ساحاته العديد من الحوادث المفصلية والهامة ، فكان التحكيم بين أنصار علي بن أبى طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبى سفيان قد جرى في مدينة اذرح في معان . أما الحميمة فمنها كانت انطلاقة الدعوة العباسية و استلام العباسيين الحكم بعد ذلك . وفي فترة الحكم الأموي والعباسي وما تلاهما كان للحكم الإسلامي موطئ قدم في الأردن . وأيام الحروب الصليبية ساهم الأردن بفعالية في نصرة المسلمين حيث كان يمثل منطقة وصل والتقاء بين مصر والشام . ويكفيه فخرا وجود أضرحة كوكبة من قادة المسلمين المشهورين وعلى رأسهم أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وضرار بن الازور في غور الأردن ، وجعفر بن أبي طالب وصحبه في ثرى مؤتة ، ناهيك عن قبور صحابة وقادة آخرين.

 وحينما حكم العثمانيون المنطقة ، تنبهوا لأهمية الأردن ، فكان ممرا للقوافل ومنطقة ضرورية لتدعيم الحكم العثماني في الأجزاء الجنوبية من إمبراطوريتهم.

 لقد ظل الدور الحضاري والوجود الأردني على الساحة مستمرا ومتواصلا عبر التاريخ وخير دليل على ذلك الآثار والقصور والقلاع والأوابد التي تشهد بغنى الأردن الثقافي ودوره لهام عبر العصور.

وفي بداية القرن العشرين ولما تنامى الشعور القومي العربي وتفجرت اليقظة العربية , كان الأردنيون روادا في ذلك شعبا وحكومات ورجالات . فقد شهدت ارض الأردن ثورات للتحرر أبرزها ثورة الكرك وثورة بني حميدة وثورة الطفيلة .وحينما انحرف الحكم العثماني عن الجادة الصحيحة، وظهرت الطورانية الداعية إلى عدم الاعتراف بالقومية العربية , تداعى أحرار العرب وسلموا القيادة إلى ملك العرب الشريف الحسين بن علي الذي فجر ثورة العرب الكبرى ضد الطغيان ,لإعادة الوجه الصحيح للإسلام وكان ذلك عام 1916 ، وانضم أهل الأردن بكل ما يملكون لهذه الثورة ابتداء من جنوبه في العقبة مرورا بمعان وصولا إلى شماله. وقد سطر الأردنيون تحت القيادة الهاشمية أروع المعاني في التحرر وبذل الغالي والنفيس، فاستطاعوا تحرير أرضهم وارض الشام .

 وفي 11 نيسان 1921 تأسست أول حكومة أردنية برئاسة رشيد طليع وسميت مجلس النظار ، وقد كانت في حقيقة الأمر حكومة عربية أكثر منها أردنية لإيمان الأمير عبدالله العميق بالقومية العربية سبيلا للتحرر والاستقلال.

 ولأن التحرر لا يكون إلا بالاستقلال الكامل ،فقد ناضل الأردن لنيلة و تحقق ذلك في 25 - 5- 1946، وأعلنت إمارة شرق الأردن مملكة وسميت المملكة الأردنية الهاشمية ونصب الأمير عبدالله ملكا عليها ،وصدر الدستور الأردني الذي جاءت مواده متقدمة في مجال الحقوق المختلفة كما نص على إقامة برلمان يتكون من مجلسين وجرت بعده انتخابات برلمانية.  

 واثر صدور قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وأخرى عربية , وبعد انسحاب القوات البريطانية من فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 ،دخل الأردن رغم إمكانياته المتواضعة الحرب إلى جانب الدول العربية ، واستطاع أن يحافظ على القدس وعلى جزء كبير من أراضى الضفة الغربية من الضياع ، وسطر جنود الجيش العربي أروع الملاحم للحفاظ على القدس , وسطر الأردن أنبل ما تكون نصرة الشقيق لشقيقة عبر استقباله لآلاف اللاجئين الفلسطينيين.

 وحتى لا تبقى الضفة الغربية في فراغ سياسي يستغله الإسرائيليون ،وبناءا على رغبة جامحة من الشعب الفلسطيني ،أعلنت الوحدة الأردنية الفلسطينية بعد مؤتمر أريحا الذي جمع الزعماء الفلسطينيين والملك عبدالله وكان ذلك عام 1950 . وفي العام التالي امتدت يد الغدر وفي مؤامرة دنيئة إلى صانع انجح وحدة عربية الملك عبدالله الأول أثناء دخوله بوابة المسجد الأقصى لصلاة يوم الجمعة.

 وفي عام 1951 خلف الأمير طلال والده في الحكم وأنجز مشروع الدستور المعدل ليصدر عام 1952 دستور الوحدة وهو الدستور الذي ينبع من القيم الإسلامية والمبادئ الديمقراطية المعمول بها في دول العالم المتحضرة ، وبناءا عليه توالى إجراء عقد الانتخابات في الضفتين وترسخت مبادئ الديمقراطية والوحدة.

 ولان المرض لم يسعف الملك طلال ولم يمكنه من الاستمرار في الحكم نودي بجلالة الملك الحسين ملكا على الأردن ، وحينما أتم الثامنة عشر من عمره تولى سلطاته الدستورية في 11- آب - 1953 ليقود المسيرة الأردنية وليبني صرحا حضاريا قوامه الوحدة الوطنية ودولة القانون والمؤسسات المدنية الحديثة ويرسخ الانتماء للأمة العربية.

وفي هذه الفترة كانت تعصف بالمنطقة العربية أحداث جسام استطاع الأردن التكيف معها وتجاوزها بسلام . ففي عام 1956 وقف الأردن إلى جانب أشقائه في مصر لصد العدوان الثلاثي و أبدى استعداده للدفاع الميداني وبكافة السبل عن الشقيقة مصر . وفي نفس العام أصدر جلالة الملك الحسين قراره الشجاع بتعريب الجيش الأردني حيث تم الاستغناء عن خدمات قائد الجيش كلوب وتسليم القيادة إلى ضباط أردنيين ، وكان لهذا القرار صدى إيجابي في العالم العربي وأثر في مسيرتهم نحو التحرر والاستقلال.

وفي فترة الستينات ظل الأردن يمارس دوره الطبيعي في الدفاع عن الأشقاء الفلسطينيين , حتى جاء عام 1967 وحرب الأيام الستة التي احتلت خلالها إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري . ورغم تحذيرات الأردن للأشقاء العرب بعدم دخول الحرب نظرا لعدم الاستعداد الكافي لها ، إلا أنهم دخلوها وخسروا ما خسروه ، واحتضن الأردن مئات الآلاف من النازحين واواهم وعاملهم كمواطنين لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم.

ومنذ عام 1967 استمر الأردن بالكفاح المسلح ضد إسرائيل وهو الذي يقع على أطول خط مواجهة معها ، وفي 21 آذار عام 1968 وحينما عبرت القوات الإسرائيلية الحدود الأردنية لاحتلال المرتفعات الشرقية فيه تصدت لها القوات الأردنية ببسالة وردتها خائبة، وكانت معركة الكرامة.

 ولان الأردن لا يضيع أية فرصة لنصرة أشقائه العرب فقد دخل حرب 1973 ، وتوجهت قواته إلى الأراضي السورية وكان لها دور مميز في حماية قطاعات الجيش السوري

 وتقديم الإسناد اللازم لها.

 وفي مؤتمر قمة الرباط عام 1974 وافق الأردن على أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 وفي عقد الثمانينات احتضن الأردن قمتين عربيتين هامتين الأولى عام 1980 ومنها انطلق العمل العربي الاقتصادي المشترك , والثانية عام 1987 وهي التي عملت على إعادة رص الصفوف العربية.

 وعام 1988 وحتى يتمكن الأشقاء الفلسطينيون من التحرك بسهوله وحفاظا على قرارهم المستقل أعلن جلالة الملك الحسين قرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية دون أن يمس ذلك الدور الأردني في الدفاع عنها ورعاية شؤونها وتلبية متطلبات أهلها .

 وفي نهاية عقد الثمانينات واجه الأردن مشكلة اقتصادية صعبة استطاع من خلال الخطط الناجحة والبرامج الاقتصادية المتتالية أن يتجاوزها نحو اقتصاد حر رحب قادر على استقطاب الاستثمارات والأموال الخارجية ، وهو الاقتصاد الذي يسعى إلى التكامل مع اقتصاديات الأشقاء العرب والانفتاح على الاقتصاد العالمي .

 وفي عام 1989 استؤنفت الحياة البرلمانية الأردنية حيث انتخب الأردنيون برلمانهم الذي أعاد إلى الحياة السياسية نشاطها من جديد. واقر هذا البرلمان العديد من القوانين التي تعزز النهج الديمقراطي. ولم تنقطع الحياة البرلمانية منذ ذلك الوقت حيث توالى إجراء الانتخابات النيابية بمشاركة كافة الأطياف والتيارات السياسية وفي جو ديمقراطي حقيقي يسمح بالتعددية السياسية وحرية التعبير والمشاركة السياسية ومخاطبة السلطات .

 وانطلاقا من ثوابته ومبادئه فقد أعلن الأردن حين دخلت القوات العراقية إلى الكويت في 2/8/1990 رفضه لهذا الإجراء و دعا إلى انسحاب القوات العراقية وإيجاد حل سلمي عربي للازمة . وكان أن تأذى كثيرا من هذه الحرب فوفد إليه مئات الآلاف من الأردنيين والفلسطينيين المقيمين في الخليج الذين ساهموا في إعمار تلك البلاد تطبيقا للنهج الأردني الثابت في دعم الأشقاء وحمايتهم على الدوام ، وعاش الأردن مرحلة صعبة تخللها في بعض الأحايين سوء الفهم من قبل بعض الأشقاء العرب , لكنه أبى إلا أن يتجاوز الخلافات، وتحقق له ذلك بفعل التحركات المكثفة لقيادته الحكيمة.

 ولإيمانه بان السلام الشامل والعادل هو طريق إعادة الحقوق العربية ، وبعد موافقة الدول العربية شارك الأردن بمؤتمر مدريد عام 1991، بعد أن وفر المظلة للوفد الفلسطيني. وبعد أن سار الأشقاء الفلسطينيون في دربهم الذي اختطوه وبعد أن وقعوا اتفاقية أوسلو مع الجانب الإسرائيلي عقد الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1994 وهي المعاهدة التي أعادت الحقوق الأردنية في الأرض والماء ووأدت أفكار الوطن البديل ورسمت الحدود النهائية الواضحة للدولة الأردنية مع إسرائيل.

 وقد وظف الأردن تلك المعاهدة لخدمة الأشقاء الفلسطينيين والعرب في المطالبة بحقوقهم ووظفها في سبيل تحقيق السلام العادل ، ووفرت له منطلقا للدفاع عن القضايا العربية التي لم يأل جهدا للدفاع عنها ،ويشهد على ذلك حرصه المستمر على رفع الحصار عن الشعب العراقي والتأكيد على وحدة وسلامة أراضيه ورفض أي عدوان عليه .

 وكان عام 1999 عام الحزن وعام الأمل عند الأردنيين ، ففي السابع من شباط من ذلك العام فقد الأردنيون باني دولتهم الحديثة أعظم الرجال وأشجع الفرسان جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال . وانتقلت الراية الهاشمية المعطاءة إلى جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ليواصل المسيرة الأردنية في تحقيق منعة الدولة واستقرارها و أمنها ونموها وتطورها ، وتحقيق التضامن العربي وإعادة الحقوق إلى أصحابها ورفض المساس بأي شقيق عربي ، وتجسد ذلك باحتضان الأردن لأول قمة عربية دورية عام2001.

 الأردن قبل عهد الإمارة :

 تعود جذور الحياة السياسية في الأردن والتي عرفت سابقاً باسم شرقي الأردن إلى فترة الحكم العثماني باعتبارها جزء من بلاد الشام وفي أواخر العهد العثماني وتحديداً في عام 1908 مثلت شرق الأردن بنائب في مجلس المبعوثان ضمن ولاية سوريا ، حيث مثل المنطقة عن لواء الكرك وبعد انتهاء الحكم العثماني وباعتبار شرقي الأردن جزء لا يتجزأ من الدولة السورية التي أعلنها الأمير فيصل بن الحسين شاركت الأردن في المؤتمر العام الذي عقده الأمير فيصل عام 1919 لتدارس وضع دستور للدولة وكذلك المشاركة في الانتخابات التي تم بموجبها انتخاب أعضاء المؤتمر ومثل الأردن فيها عشرة أعضاء منتخبين وركزت قرارات المؤتمر على الاستقلال ووحدة سوريا والاتحاد مع العراق وشاركت الأردن بالمؤتمر الثاني أيضا الذي عقد في سنة 1920 ولكن لم يكتب لهذا المؤتمر النجاح بسبب البدء بتنفيذ معاهدة (( سايكس بيكو )) من قبل بريطانيا وفرنسا لتصبح سوريا تحت الانتداب الفرنسي بعد معركة ميسلون وسقوط الحكومة العربية التي أسسها فيصل في دمشق إما شرقي الأردن فقد وقعت تحت النفوذ الانجليزي بعد أن أوعزت الحكومة البريطانية لمندوبها السامي في فلسطين هيدت صموئيل التوجه نحو شرق الأردن لامتلاك زمام المبادرة حيث قامت بتشكيل حكومتين محليتين الأولى في الكرك والأخرى في السلط وتم تشكيل حكومة ثالثة فيما بعد في عجلون تضم كافة مناطق شمال الأردن  وأصبح الأردن يخضع للنفوذ البريطاني بناءاً على الاتفاق السابق مع الفرنسيين في عام 1916 (معاهدة سايكس بيكو).  

 تأسيس إمارة شرقي الأردن :-

  يرتبط تأسيس إمارة شرقي الأردن بوصول الأمير عبد الله إليها بناءً على الدعوات التي وجهت للشريف الحسين بن علي من قبل أعيان ووجهاء مناطق شرقي الأردن وكذلك أعضاء حزب الاستقلال الذين جاؤا للأردن من سوريا بعد معركة ميسلون 1920 وبعد وصول الأمير عبد الله إلى مدينة معان بدأ بدعوة أهالي شرق الأردن وحكوماتها المحلية للالتفاف حوله مما حذا بالفرنسيين اعتبار وصول الأمير عبد الله إلى شرق الأردن امراً خطيراً يهدد وجودها في سوريا وذلك بسبب تصريح الأمير عبد الله انه جاء لإحياء الثورة التي أخمدت في حوران.  

وخاطبت الحكومة الفرنسية الحكومة البريطانية لممارسة ضغوطها على الملك حسين لاتخاذ الخطوات الكفيلة بإيقاف ابنه الأمير عبد الله واستعدادها للدخول إلى الأردن إذا اقتضى الأمر ذلك ، وفعلاً قامت بريطانيا بالتوسط لدى الملك حسين لمنع الأمير عبد الله من القيام بأي شيء ، مقابل أن تحقق بريطانيا لأهالي شرقي الأردن حكماً لأنفسهم تحت حكم الأمير عبد الله  ، وعليه تم إيفاد وزير المستعمرات (( تشرتشل )) لمقابلة الأمير عبد الله في آذار عام 1921  وتم الاتفاق على تأسيس الإمارة وإنشاء حكومة دستورية أعلن عنها في 11/4/1921 وكان أول رئيس لها رشيد طليع ، وبذلك اختفت الحكومات المحلية واندمجت في حكومة واحدة هي حكومة إمارة شرقي الأردن وماطلت بريطانيا بالاعتراف في حكومة شرق الأردن حتى 25 أيار 1923 بعد الاعتراف الرسمي من قبل المندوب السامي البريطاني بالحكومة الأردنية شريطة تمكن حكومة الإمارة من الإيفاء بالتزاماتها العهدة عن طريق معاهدة نفذت بين الطرفين(صك الانتداب) الذي أعطى الإمارة حق الاستقلال بعد مضي خمس سنوات شريطة توفر المقومات اللازمة لذلك بمعنى تثبيت الوضع الدستوري للإمارة .  

الإصلاحات السياسية في بدء عهد الإمارة 1923 :-  

 بعد أن تم تشكيل أول حكومة في عهد الإمارة شهدت الإمارة أول محاولات الإصلاح في نيسان عام 1923 عندما قرر الأمير عبد الله تأليف مجلس أطلق عليه اسم (مجلس الشورى) ومع أن هذا المجلس لم يعبر عن الحياة الديمقراطية والبرلمانية بمفهومها الكامل إلا أنها كانت اللبنة الأولى لإنشاء مجلس نيابي منتخب ، واستمر العمل بهذا المجلس حتى عام 1927 وقد تركزت جهود الأمير والقوى السياسية في تلك الفترة على الاستقلال التام ووضع دستور للإمارة بعد توفر الشرط الذي طالبت به بريطانيا وهو وجود مجلس نواب وحكومة، لإعطاء حق الاستقلال التام للإمارة إلا إن بريطانيا استمرت بوضع العراقيل أمام الأمير عبد الله وكان الهدف من وراء ذلك هو كسب الوقت حتى يتسنى لها الحصول على اتفاق مكتوب مع الإمارة يضمن مصالحها وبالمقابل لم تتوقف محاولات الأمير عبد الله بتنظيم الحياة السياسية رغم العراقيل البريطانية لإفشال مشروع دستور 1928 ، حيث ساد السخط الشعبي ، وتم رفع شكوى إلى عصبة الأمم من قبل الوفود الشعبية للمطالبة بإيفاد لجنة نزيهة للنظر في تحقق المطالب الوطنية مما دفع بريطانيا إلى إلغاء مشروع دستور 1928 ، وكذلك قانون الانتخاب وتقليص السيادة بإتباع القوات العسكرية المحلية لأوامر التفتيش في جيوش الإمبراطورية البريطانية ، وكذلك قيامها بسلسلة من الإجراءات وتقييد الحريات السياسية الممنوحة للإمارة ، وتقليص المساعدات المالية المقدمة للإمارة ، الأمر الذي وضع البلاد في حالة هياج عام .  

حاولت بريطانيا بعدها تهدئة الأمور بطريقة الترهيب والترغيب إلى أن بريطانيا وتحت الضغط الشعبي وافقت على بعض الإصلاحات ومن أهمها منح الإمارة مجلس تشريعي منتخب في عام 1928، والسماح بتشكيل حكومة وطنية ولكن بقاء هذه الحكومة والمجلس كان مرهون بالتوقيع على المعاهدة البريطانية مع الأردن ، وهذا ما تم بالفعل في 16/4/1928  ولكن ليس بالسهولة المتوقعة، حيث تمت المساومة أيضا مقابل التوقيع على انتزاع العديد من الحقوق لصالح البلد وكان من أهمها : أن المعاهدة بينت شرق الأردن دولة ذات كيان معترف به ومستقل ، ويتولى السلطة أمير للبلاد ، وكذلك تحسين الأوضاع وعلى الأخص في المجالات التالية :-

 أولا : التعليـم ، حيث تم زيادة نفقات التعليم وزيادة عدد المدارس في الإمارة وزيادة عدد المعلمين .

 ثانياً : الزراعـة ، العمل على توجيه الناس للعمل في الزراعة ، وتوسيع الرقعة الزراعية ، وإعطاء القروض للفلاحين ، وصرف التعويضات عن الأضرار الناجمة عن مواسم القحط التي مرت بها الإمارة ، واستيراد البذور المحسنة وتوزيعها على الفلاحين.

 ثالثاً: إنصاف الأردنييـن ، في الوظائف العامة  مقابل المهاجرين العرب الموجودين في الإمارة وعلى الأخص الذين قدموا بعد معركة ميسلون في سوريا ، وكذلك التخلص من الموظفين المعارين من الحكومات المجاورة واستبدالهم بالأردنيين .

حكومة عبد الله سراج 1931 :-

 تم حل مجلس النواب في عام 1931 ، وانتخاب مجلس جديد في نفس العام وشكل الشيخ عبد الله سراج الحكومة الجديدة ، وشهدت الإمارة في تلك الفترة زيادة ملحوظة في عدد السكان ، مما حذا بالحكومة تطوير قانون الانتخاب ليتلاءم وهذه الزيادة ، وكانت الإمارة  في تلك الفترة مقسمة إلى ثلاث دوائر انتخابية هي الكرك، البلقاء وعجلون ، وتضم تلك الدوائر كافة المناطق والألوية الأخرى فيها، وبالمقابل لم يغب عن ذهن الأردنيين في هذه الفترة سواء عبر المجلس المنتخب أو من خلال الضغوط الشعبية كما كان هو عليه الحال سابقاً المطالبة بإلغاء المعاهدة البريطانية أو تعديلها في أسوء الأحوال من خلال فتح باب المفاوضات مع الحكومة البريطانية ، ولكن كما هي العادة لم تصغي بريطانيا لهذه المطالب بل قامت بالتشدد وتضيق الحريات ، حيث عمدت إلى تعطيل الصحف الصادرة بالإمارة أو الداخلة إليها من الأقطار المجاورة لما لها من دور فاعل في إثارة الرأي العام .  

 ونظراً لمرور البلاد في مواسم قحط فقد أصبحت الحالة سيئة ، وزاد التذمر والضغط الشعبي مما حذا بالحكومة البريطانية إلى تخفيف القيود والإيعاز للحكومة المشكلة إلى إعفاء الفلاحين من جزء كبير من الضرائب والقروض الزراعية المستحقة عليهم ، والقيام بالعديد من المشاريع ، وفتح الطرق وقام المجلس المنتخب بالضغط على الحكومة وتعديل العديد من المواد في قانون المطبوعات وبشكل خاص ما يتعلق بإنشاء الصحف .  

  فصل السلطات :-  

لقد أصبح هناك وعي لدى الأردنيين في مفاهيم الديمقراطية وأهمها الفصل التام بين السلطات الثلاثة وكان ذلك واضحاً في محاولة مجلس النواب إسقاط حكومة عبد الله سراج ، إلا أن عدم وجود التجربة الكافية للمجلس  جعل الحكومة تكمل مدتها الدستورية عام 1934 .  

إمارة شرقي الأردن 1934-1942 :-  

 لقد تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة إبراهيم هاشم في عام 1934 ، ثم أجريت انتخابات نيابية في نفس العام ، وتميز الوضع في تلك الفترة بالهدوء النسبي إلا أن ما يحدث  في فلسطين والخطر الصهيوني طغى على أفكار الناس وعلى الأخص مشروع (( جوتمبرغ )) الذي سهل إطلاق يد الصهيونية في الشرق وبشكل خاص في فلسطين ، لذا طالبت القوى الوطنية الفلاحين بعدم بيع أو تأجير أراضيهم دون علم الحكومة ، استمر الحال حتى عام 1937 ليتم تشكيل حكومة جديدة في عام 1937 برئاسة إبراهيم هاشم حيث شهدت هذه الفترة زيادة في تعداد سكان الإمارة وهجرة العديد إليها من الدول المجاورة بسبب ظروف الاستعمار في تلك الدول .

أما على الصعيد السياسي فقد تم ترخيص حزب سياسي جديد سُمـي (حزب الإخاء الأردني) 1937 واعتبر أول حزب شرق أردني  بعد توقف حزب الشعب في 1933 والذي تأسس في عام 1927 برئاسة هاشم خير ، وكذلك أحزاب أخرى مثل الحزب المعتدل 1930 ، وحزب اللجنة الوطنية للمؤتمر الأردني 1933  ، وكذلك حزب الاستقلال والذي كان اغلب أعضاؤه غير أردنيين من الثوار السوريين الذين جاؤا للأردن بعد هزيمة الثورة في سوريا .  

 ضم حزب الإخاء أهم الزاعمات الأردنية في تلك الفترة والتي كان لها أيضا تجربة نيابية بممارستها للحياة البرلمانية في المجلس سابقاً ومنهم رفيفان المجالي ، وماجد العدوان ، ومثقال الفايز ، وفاز من الحزب في الانتخابات التي عقدت في عام 1937 ثمانية نواب.  

 شهدت فترة ما بعد عام 1937 توترات داخلية وصدام مع الحكومة المعينه للمطالبة بالمزيد من الحريات العامة ومعارضة الشعب للنفوذ البريطاني وكذلك وهو الأهم كان هناك دعم شعبي حقيقي للثوار في فلسطين ، وتطوع العديد للقتال هناك ، ونتيجة لهذه الظروف تجاوبت الحكومة في تعديل بعض القوانين ومنها : قانون البلديات ، قانون الملكية ، الأحوال الشخصية .  

 على المستوى الدولي :-  

 لقد كان دخول إمارة شرق الأردن إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الثانية هو احد أهم القرارات التي اتخذتها الحكومة  برئاسة إبراهيم هاشم آنذاك ، وقامت الحكومة باستخدام قانون الدفاع الصادر في عام 1935 بإعلان الأحكام العرفية واعتبرت ألمانيا وايطاليا دول معادية ، وتم تمديد عمر المجلس المنتخب خمسة سنوات أخرى إضافية بمقتضى قانون خاص وقد تجاوبت القوى الوطنية مع وقوف الإمارة في الحرب مع بريطانيا أملاً بان يحتسب هذا الموقف لدى البريطانيين للحصول على الاستقلال التام  بعد انتهاء الحرب.  

إمارة شرق الأردن 1942-1947 :-  

 تم تشكيل حكومة جديدة عام 1942 برئاسة توفيق ابوالهدى وتم تعديل قانون الانتخاب لتصبح الإمارة أربعة دوائر انتخابية هي (الكرك ، البلقاء ، معان، اربد)  

 أهم الأحداث التي واكبت تلك الفترة :-  

 على الصعيد الداخلي :-

 العمل على رفع مستوى التعليم من خلال زيادة المخصصات المالية للمعارف ، وفتح المدارس في اغلب مناطق الإمارة ، دعم القطاع الزراعي والعمل على تخفيف الأعباء عن الفلاحين .  

 على الصعيد الخارجي :

 استمر وقوف الإمارة إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الثانية على أمل حصول الإمارة على الاستقلال من وراء ذلك وقد كان هناك وعود بريطانية سابقه تعد الأردن بالاستقلال بعد انتهاء الحرب.  

   تأييد الوحدة الشاملة مع الأقطار العربية :-

  وقد ترافق ذلك مع المفاوضات العربية التي بدأت من اجل إنشاء الجامعة العربية والتي انتهت بتصديق الأردن على ميثاق جامعة الدول العربية بتاريخ 22 آذار 1945 وكان ذلك في عهد رئيس الوزراء آنذاك سمير الرفاعي .  

 النتائـج :-

 بناءً على موقف الإمارة في الحرب العالمية الثانية ونظراً لضغوط القوى الوطنية بالمطالبة بالاستقلال ، فقد تم دعوة الأمير عبد الله إلى لندن والدخول في مفوضات انتهت بعقد معاهدة تحالف جديدة بتاريخ 22 آذار 1946 تلغي معاهدة 1928 واعتراف بريطانيا بالإمارة دولة مستقلة كاملة الاستقلال ، والأمير عبد الله ملكاً عليها ، ورفع مستوى التمثيل بين البلدين إلى مستوى سفارة ، وعلى اثر ذلك  تم دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد حيث ألغى العمل بالقانون الأساسي لعام 1928 وأعلن الأردن مملكة مستقلة ذات سيادة  في عام 1946وتم تعديل الدستور ، الذي أصبح يعرف فيما بعد بدستور 1947.  

الحياة السياسية في عهد المملكة 1947-1953:-  

 لقد تميزت هذه الفترة الجديدة في حياة الأردن بحدوث تغيرات كبيرة في الحياة السياسية والتشريعية في المملكة .  

 على المستوى التشريعي :-

 بعد تعديل الدستور في عام 1947 تم تعديل قانون الانتخاب لتصبح المملكة مكونة من تسعة أقضية هي (عمان ، الكرك ، السلط ، اربد ، عجلون ، جرش ، الطفيلة ، معان ، مأدبا ) وأصبح عدد أعضاء مجلس النواب 20 نائباً والأعيان 9 وقد ظهرت أول كتلة برلمانية معارضة داخل المجلس أطلقت على نفسها كتلة المعارضة المستقلة .  

 على المستوى الدولي :-

 لقد كان هناك تعاطفاً قوياً مع القضية الفلسطينية من قبل الشعب الأردني والقوى الوطنية ، حيث تم تنظيم جبهة شعبية تقاتل إلى جانب الفلسطينيين وقامت الحكومة بانتقاد قرار هيئة الأمم والذي يعرف بقرار التقسيم عام 1947 ، وأبدت الحكومة استعدادها للدفاع عن عروبة فلسطين ، وهذا كان واضحاً في موقف المملكة داخل الجامعة العربية والذي نتج عنه فيما بعد دخول المملكة الحرب في عام 1948 إلى جانب الدول العربية .  

 على المستوى الداخلي :-

 * الوضع الاقتصادي :-

 لقد كان لمرور المملكة في فترة جفاف وقحط ودخول المملكة في حربين الحرب العالمية الثانية والحرب مع العدو الصهيوني الأثر الكبير على الحياة الاقتصادية في المملكة وزيادة نسبة الفقر بسبب إن المواطنين في اغلبهم يعتمدون على الزراعة والرعي في حياتهم اليومية ، مما دفع بالحكومة إلى اتخاذ إجراءات هامة منها حماية أراضي الفلاحين ، وعدم تسربها إلى كبار الملاكين ، ومنع تصدير الحبوب بجميع أنواعها .

  وتشديد الرقابة على التجار للبيع بأسعار مقبولة ، وفتح باب الاستيراد للحنطة والدقيق واستيراد كميات كبيرة من الحبوب وتوزيعها على السكان .  

 * التعليـــم :-

 أصبح هناك وزارة للمعارف تم زيادة موازنتها وتم تشجيع الأهالي على وضع أبناءهم في المدارس ، وزيادة عدد المعلمين ، وتعين مفتشين لمراقبة العملية التربوية .  

 مؤتمر أريحا  1/12/1948:-  

  لقد ابدي أهالي فلسطين رغبتهم بالانضمام إلى المملكة وذلك بهدف تقوية جبهتهم الداخلية لوجود كيان سياسي معترف به يدافع عن حقوقهم ، تم عقد مؤتمر في أريحا ضم زعماء القدس ، الخليل ، بيت لحم ، رام الله ونخبة من وجهاء النازحين وتمت المناداة بالوحدة الأردنية -الفلسطينية ، ومبايعة الملك عبد الله ملكاً على فلسطين والأردن وكذلك عقد مؤتمر آخر في نابلس والمناطق التابعة لها في 28/12/1948 واتخذ نفس القرار بمبايعة الملك عبد الله ملكاً دستورياً على فلسطين والأردن.  

 حل المجلس النيابي في عام 1950 :-  

على اثر مؤتمر أريحا والتي أصبحت فلسطين بموجبها جزء من أراضي المملكة الأردنية تم حل مجلس النواب وجرى تعديل قانون الانتخاب في 1/1/1950 ، وذلك لضم أعضاء جدد من الضفة الغربية يوازي أعضاء الضفة الشرقية ليصبح عدد أعضاء مجلس النواب (40) عضوا بعد الانتخابات التي أجريت في 11/4/1950 ، وقد كانت المملكة في تلك الفترة شهدت قدوم إعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين بعد هزيمة 1948 ، وكان من ضمنهم العديد من رجال السياسة .  

 وشهدت تلك الفترة أيضا تواجد الأحزاب السياسية بكثرة على الساحة الأردنية الشيء الذي افرز مجلس نواب قوي نقل الحياة السياسية والبرلمانية نقلة نوعيه ، وتسبب ذلك في مواجهات قوية مع الحكومة وأهمها في عام 1951 حيث  رفض مجلس النواب في تلك الفترة المصادقة على الموازنة ، وكذلك المواجهة بين الحكومة والأحزاب السياسية في ظل صراع  تلك الأحزاب مع السلطة حول العديد من القضايا الوطنية والقومية ، ونتيجة لذلك حل مجلس النواب في عام 1951 وكان رئيس الحكومة آنذاك سمير الرفاعي .  

 استشهاد جلالة الملك عبد الله بن الحسين وتولي الملك طلال رحمه الله مقاليد الحكم في المملكة  

 لقد عم الحزن في المملكة على أثر اغتيال المغفور له جلالة الملك عبد الله  في باحة مسجد الأقصى بالقدس بتاريخ 20/6/1951 بيد آثمة وهو ذاهب للصلاة، هذا الحدث أحزن الناس وأثر عليهم بشكل كبير ، وأصبح الملك طلال ملكاً للمملكة الأردنية الهاشمية في 6/9/1951 وشكلت حكومة جديدة برئاسة توفيق أبو الهدي وأجريت الانتخابات النيابية في نفس العام ، وكان لعهد الملك طلال رغم قصر مدته تأثير كبير على الحياة السياسية في المملكة إلى يومنا هذا ولعبت الأحزاب دوراً كبيراً ومهماً في تلك الفترة سواء في مجلس النواب أو على الساحة السياسية ومن أهم انجازات الملك طلال دستور (1952) الذي اقر في ما بعد والذي يعتبر من أفضل الدساتير التي عرفتها المملكة والمنطقة العربية لما يتميز به من الانفتاح والتطور ، إقرار المساواة ، العدالة بين المواطنين ناهيك عن تفعيل مبدأ فصل السلطات ، الدور الرقابي للمجلس التشريعي على الحكومة حتى أن عهد المغفور له الملك طلال أصبح يعرف بعهد الملك طلال واضع دستور (1952) .  

 مرض الملك طلال والمنادى  بالملك حسين ملكاً على الأردن 

 وفي عام 1951 خلف الأمير طلال والده في الحكم وأنجز مشروع الدستور المعدل ليصدر عام 1952 دستور الوحدة وهو الدستور الذي ينبع من القيم الإسلامية والمبادئ الديمقراطية المعمول بها في دول العالم المتحضرة ، وبناءا عليه توالى إجراء عقد الانتخابات في الضفتين وترسخت مبادئ الديمقراطية والوحدة.   

 ولان المرض لم يسعف الملك طلال ولم يمكنه من الاستمرار في الحكم نودي بجلالة الملك الحسين ملكا على الأردن ، وحينما أتم الثامنة عشر من عمره تولى سلطاته الدستورية في 11- آب - 1953 ليقود المسيرة الأردنية وليبني صرحا حضاريا قوامه الوحدة الوطنية ودولة القانون والمؤسسات المدنية الحديثة ويرسخ الانتماء للأمة العربية.    

 وقد شهد عهد المغفور له جلالة الملك حسين رحمه الله أهم الأحداث السياسية والعسكرية التي أثرت سلباً على حياة الأردنيين إلا أن الأردن شهد أيضا نمواً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً على الرغم من الظروف الصعبة والتحديات والأخطار ففي حزيران عام (1967) دخل الأردن مع الدول العربية وعلى الأخص الدول المجاورة في حرب مع إسرائيل أدت إلى سقوط الضفة الغربية ، وحدثت على اثر ذلك العديد من الاضطرابات الداخلية والتي هي أصلاً انعكاس للوضع العربي المتردي  

 ونتيجة لذلك أوقفت الحياة البرلمانية وتم إعلان حالة الطـــوارئ (الإحكام العرفية) بهدف منع البلاد من الدخول بصراعات داخلية وتوفير أجواء الاستقرار ليتم العودة فيما بعد للحياة الديمقراطية التي كانت سائدة سابقاً .   

 أهم الأحداث السياسية التي شهدتها المملكة في عهد المغفور له جلالة الملك الحسين رحمه الله 

          عام (1956) أجريت أول انتخابات نيابية على أساس التعددية الحزبية وتألفت أول وزارة برلمانية ولكن هذه التجربة الديمقراطية لم تستمر طويلاً وتعثرت لأسباب داخلية وخارجية مختلفة .   استمرت المجالس التشريعية منذ عام (1952) حتى عام (1965) وكانت هذه المجالس ممثله لأبناء الأردن والضفة الغربية وقد عُدل الدستور في تلك الفترة بالأعوام (4/5/1958- 1/9/1958- 1965)  

 في عام (1967) سقطت الضفة الغربية في يد الاحتلال الصهيوني بعد حرب    حزيران ، وواجه الأردن على أثرها أزمة دستوريه طرحت خيارات صعبه أدت فــي النهاية إلى تعطيل الحياة النيابية  وإعلان حالـة الإحكـام العرفية .  

 دخل الأردن في حرب الكرامة في عام ( 1968) مع إسرائيل وانتصر الأردن في تلك المعركة .  

 عاش الأردن في عام (1970) أحداث ما يسمى بـ (أيلول الأسود) تمت على أثرها مصادمات بين السلطات الأردنية والفصائل الفلسطينية عبرت عن مدى التخبط التي كانت تعيشه تلك الفصائل وانتهت بخروجها جميعاً من الأردن .  

 في عام (1971) قام الاتحاد الوطني العربي في الأردن وأعلن ميثاقه في محاولة للإصلاح وسد الفراغ السياسي الذي جاء بعد احتلال الضفة الغربية ولكن هذا الاتحاد لم يكن مهيأ للقيام بواجباته الوطنية فتم إلغاءه وتصفيته قانونياً وأجريت تعديلات جديدة للدستور فـي( 8/4/1973-10/11/1973-7/2/1976 ).   

شارك الأردن وعبر الجبهة السورية في حرب أكتوبر  في عام (1973) .  

في عام (1974) وفي مؤتمر الرباط وافق الأردن على اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين .  

في عام (1978) تم تشكيل  المجلس الوطني الاستشاري بطريقة التعيين وتكون مدته سنتين ويعاد تشكيله بعد انتهاء مدته ولم يعتبر هذا المجلس بديلاً لمجلس النواب المنتخب ، ولكن تم إنشاؤه لإبداء الرأي والمشورة ومناقشة السياسة العامة للدولة ، وقد كان للمجلس الاستشاري الكثير من الصلاحيات التي يمارسها مجلس النواب دون أن يكون له سلطة إعطاء الثقة أو حجبها عن الحكومة .  

 في 9/1/1984 تم تعديل الدستور وحل المجلس الاستشاري وجرت انتخابات في الضفة الشرقية لملء (7) مقاعد التي شعرت بموت أصحابها منذ آخر مجلس نواب منتخب قبل حرب (1967) .  

 في 31/8/1988 تم فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية .  

في تشرين الثاني عام (1989) وبعد مرور (22) عام من الانقطاع أجريت الانتخابات النيابية في الأردن ، وتم تعديل قانون الانتخاب ليصبح عدد أعضاء مجلس النواب ثمانين عضواً ، ومجلس الأعيان أربعون عضواً ، وتحقق بذلك الركن الأول في العودة إلى الديمقراطية ، وشهدت البلاد انفراجاً سياسياً سادت فيه روح الحوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بمشاركة كافة القوى الوطنية وكافة فئات الشعب، وتم إعداد الميثاق الوطني في عام 1991 ليعبر عن التلاحم بين فئات المجتمع الأردني ، وشارك المجلس النيابي في القرار السياسي، وتم السماح بتأسيس الأحزاب السياسية حتى أصبح عدد الأحزاب السياسية أكثر من أربعين حزباً ساهمت سواء عبر مجلس النواب أو عبر مؤسسات المجتمع المدني في تطور الحياة السياسية في الأردن ، وقد شهدت هذه الفتـــرة (احتلال العراق لدولة الكويت ) وحدوث حرب الخليج الثانية في عام (1991) بين العراق وما سمي بدول التحالف ، هذه الحرب كان لها تأثيراً كبيراً على الأردن كونه احد الدول المجاورة للعراق .  

 وشهد العالم العربي انقساماً وتشرذماً كبيراً لم يسبق له مثيل وقد حاول المغفور له جلالة الملك الحسين أن ينهي تلك ألازمة داخل البيت العربي ونزع فتيل ألازمة واستخدام منطق العقل وليس منطق القوة ، ولكن كان مخطط الأحداث يمشي نحو الحل العسكري ، وقد دفع الأردن ثمن هذا الموقف بنزوح أبناؤه العاملين في الكويت ودول الخليج إلى الأردن حيث زاد عددهم عن ثلاثمائة ألف مواطن مما أدى إلى خلل واضح في النمو الديمغرافي والسكاني للمملكة وإرباك الخطط الإنمائية والضغط على البنية التحتية للدولة .  

 اتفاقية السلام مع إسرائيل في عام (1994) :  

  لقد كرس المغفور له جلالة الملك حسين حياته بعد هزيمة حزيران عام (1967) لإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم مع إسرائيل وعلى الأخص أن العالم العربي كان يعيش في حالة عدم استقرار ، ناهيك عن انهيار الاتحاد السوفيتي ، فلم يعد هناك ما يسمى بتوازن القوى أو التوازن الاستراتيجي على الساحة الدولية ، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الوحيدة التي بيدها سلطة الحل لأغلب القضايا العالمية .  

 وهنا لابد من الإشارة إلى أن التوجه نحو السلام لم يكن توجهاً أردنيا فقط بل إن دول عربية مثل مصر أبرمت معاهدة سلام مع إسرائيل في عام (1977) ، ودخل العرب في مفاوضات مع إسرائيل في مدينة مدريد الاسبانية في نهاية عام (1992) تحت الرعاية الأمريكية ووجود وفود تمثل الفلسطينيين والأردنيين والسوريين وبمشاركة مصرية ، حيث نتج عن تلك المفاوضات التوقيع على اتفاقية  سلام مع الفلسطينيين في أوسلو بعد مفاوضات سرية ، وتم توقيع اتفاقية وادي عربة في عام (1994) مع الأردن .  

إجراء الانتخابات النيابية في عام (1993) تم تعديل قانون الانتخاب (قانون الصوت الواحد) وبذلت الأحزاب السياسية جهدها وشاركت في هذه الانتخابات وهنا لا بد من الإشارة إلى اختلاف النهج الفكري لدى الأحزاب السياسية عما كان سائداً في السابق فلم يعد هناك أحزاب تحمل أفكار تهدف إلى إسقاط الحكم ، ولم تعد الأيدلوجيات هي المحرك الوحيد لعملها ، بل أصبح هناك قناعات لدى أغلب الأحزاب بتوجيه عملها نحو المشاركة في الحياة السياسية للدولة في ظل سيادة مبادئ العدالة والمساواة وحرية التعبير ، وبذلك أصبح الأردن نموذجاً يحتذى به في المنطقة ، وقد كان لحضور أغلب زعماء العالم لجنازة الملك حسين -رحمة الله-  في عام (1999) الدليل على المكانة والتقدير التي يكنه العالم للملك المرحوم والأردن ليتولى بعد ذلك مقاليد الحكم جلالة الملك عبد الله الثاني ليدخل الأردن معه عصراً جديداً نحو التطور والانفتاح على العالم والدخول في مرحلة التميز والنماء الاقتصادي .   

 الخاتمــة :-  

 لم يكن وجود الأردن وليداً للصدفة ولم يوجد لحماية الكيان الإسرائيلي ، أن الأردن بل كان جزء لا يتجزأ من هذه الأمة ، تربى أبناؤه على الكرامة الإنسانية والانتماء ، والولاء ، والاعتزاز بالإسلام فكراً وتراثاً وحضارة ، وبالوطن أرضا وشعباً ونظاماً ، وبالعروبة لغةً وتاريخاً ومصيراً ، لم يتخلى الأردن يوماً عن دوره في النضال العربي فكيف ذلك ومليكه حامل راية الثورة العربية الكبرى ، لقد كان الأردن في تاريخه علامة امتياز في جبين الأمة العربية حمل راية الجهاد والنضال ضد المستعمر ، وكان دوماً وطناً لأحرار الأمة العربية من فلسطين وسوريا والعراق ، عرفت أرضه الحضارات وشهدت أهم الأحداث وقد كان بوابة افتح الإسلامي ، ضحى أبناؤه بالاستقلال ، وانصهر في مجتمعه كل الناس دون تمييز بين الأعراق والدين ، وأصبح واحة للديمقراطية والاستقرار ليقف العالم كله احتراماً لهذه الدولة الصغيرة في مساحتها وقيادتها الكبير في تاريخها وانجازاتها........

 

 نعــم ، هذا هو تاريــخ الأردن